محمد بن جرير الطبري

160

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقوله : أولئك ينادون من مكان بعيد اختلف أهل التأويل في معناه ، فقال بعضهم : معنى ذلك : تشبيه من الله جل ثناؤه ، لعمى قلوبهم عن فهم ما أنزل في القرآن من حججه ومواعظه ببعيد ، فهم سامع مع صوت من بعيد نودي ، فلم يفهم ما نودي ، كقول العرب للرجل القليل الفهم : إنك لتنادى من بعيد ، وكقولهم للفهم : إنك لتأخذ الأمور من قريب . ذكر من قال ذلك : 23615 حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن بعض أصحابه ، عن مجاهد أولئك ينادون من مكان بعيد قال : بعيد من قلوبهم . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن جريج عن مجاهد ، بنحوه . 23616 حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أولئك ينادون من مكان بعيد قال : ضيعوا أن يقبلوا الامر من قريب ، يتوبون ويؤمنون ، فيقبل منهم ، فأبوا . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إنهم ينادون يوم القيامة من مكان بعيد منهم بأشنع أسمائهم . ذكر من قال ذلك : 23617 حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن أجلح ، عن الضحاك بن مزاحم أولئك ينادون من مكان بعيد قال : ينادى الرجل بأشنع اسمه . واختلف أهل العربية في موضع تمام قوله : إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم فقال بعضهم : تمامه : أولئك ينادون من مكان بعيد وجعل قائلوا هذا القول خبر إن الذين كفروا بالذكر أولئك ينادون من مكان بعيد وقال بعض نحويي البصرة : ذلك ويجوز أن يكون على الاخبار التي في القرآن يستغنى بها ، كما استغنت أشياء عن الخبر إذا قال الكلام ، وعرف المعنى ، نحو قوله : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض وما أشبه ذلك .